
يواجه السودان اليوم تحدياً وجودياً بسبب تفشي الفساد الذي تغلغل في مفاصل الدولة والمجتمع. فهذه الظاهرة، ومعها الحروب والأزمات الأخرى، ليست سوى انعكاس لأمراض بنيوية مزمنة تراكمت عبر عقود طويلة. يتجلى ذلك في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن: فالحصول على أبسط الخدمات قد يرتبط بابتزاز أو مطالب غير مشروعة، سواء في الشارع عند التعامل مع مسؤول المرور، أو داخل المؤسسات عند استخراج شهادة جامعية أو وثيقة ثبوتية أو معاملة مصرفية. هذه التجارب المتكررة جعلت الفساد ممارسة شبه اعتيادية وليست استثناءً. على المستوى المؤسسي يتجلى الفساد في صورة ضعف أداء الأجهزة السياسية، حيث ينشغل معظمها بالامتيازات الشخصية أكثر من الانشغال بالعمل الخدمي أو الرقابي أو التشريعي. الأخطر من ذلك أن تمتد هذه الممارسات إلى المؤسسات العدلية، فتتأثر مصداقية هذه المنظومة وتتحول العلاقات بين أضلاعها من محامين وقضاة وأعضاء نيابة إلى وسائل للتلاعب بالحقوق.
أي مشروع إصلاحي، مهما كانت قيمته النظرية وتجربته العملية، لا يمكن أن ينجح من دون مراعاة حجم التحديات، وطبيعتها، والأدوات اللازمة لمواجهتها، إضافة إلى عامل الوقت والمصداقية والخبرة التي يتمتع بها القائمون على التغيير. التجارب الإنسانية تثبت أن بلوغ المجتمعات قاع الفساد لا يعني نهايتها بالضرورة، بل قد يمثل لحظة فارقة لبدء مسار جديد. غير أن الإصلاح يتطلب الانتقال من مجرد تشخيص الأخطاء إلى بناء حلول عملية وتفصيلية. فالأدوات التي تفتقر إلى بدائل واضحة قد تكرس للفساد بدلاً من أن تقضي عليه. وعليه، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة الجذور: عبر التقسيم العادل للسلطة، وضمان فرص متكافئة لمصادر الدخل وسبل العيش الكريم. هذه الأسس هي التي تهيئ المناخ لنجاح القوانين والمؤسسات الرقابية لاحقاً، وتجعل مكافحة الفساد جزءاً من بنية المجتمع لا مجرد استجابة ظرفية.
الخرطوم 17 أغسطس 2025



